Friday, Dec 06th, 2019 - 15:32:00

Article

Primary tabs

زمن الأحلام

عندما ينكسر جدار الصمت ويصدح الغناء ويسيل المداد وينهد الشوق، فإنّنا نتقلّب في كومات التورّط بالحياة والحب والالتزام، ونقيم في ساحة المواجهة للذات والعالم، كي لا تنطفئ جذوة الأمل، ولا يسكن نبض الإحساس بالوجود الحيّ، ولا تضعف قوة الدفع في مسار التقدم المتناغم مع أطياف الرؤى والأحلام، وحتى لا نشهد انسحاباً من مشهدية الإقدام إلى هامش الإحجام، أو السقوط المريع في العبث أوالعدم، في ضوء الشعور الحادّ بالاغتراب!
كذا هي حال الحالمين الذين يرتحلون في مسارب الآفاق، ويصدقون رؤاهم من غير أن يصادقوا واقعهم، ويتصالح فيهم الذاتي مع الغيري، ويرسمون لوحة الحياة المشتهاة كما لو أنها مشهديات بكر، ويستفزّون فطرة الإنسان الطيبة ليستنهضوا قيم الحق والخير والجمال. كذا هو قدر الحالمين المتعبين الساعين إلى إيداع توقهم الجميل عالمهم الافتراضي الساكن في عرزال المستحيل حتى يصير ممكناً !
بمثل هؤلاء يصير للحياة مبرّر ومعنى؛ إذ كيف لعالم أن يستمرّ وينهد إذا تقطّعت أوتار قيثارته، واجتاحه الصمت والركود، ولم تجرح ظلمته مصابيح السعي والمكابدة!
هؤلاء هم الحالمون الذين يقرعون جرس الإنذار من تداعيات القلق المتفاقم، ويبشّرون بحتمية انحسار العبث من مشهدية التراجيديا المتواصلة. هم المبحرون بمركب الحياة المرتجاة، الحاملون معهم عالماً افتراضيّاً فيه الكثير من براعم البنفسج. هم العاملون بشغف الانتقال من مسرح الانكسار على خشبة الواقع إلى مسرح الانتصار في الحياة. هم المنتصرون للحرية، الناهدون إليها نهود العشّاق الذين شفّهم الوجد وأضناهم الهوى !
ليس للحالمين مناص، في أوقات الأزمات بخاصة، من مقارعة الأخطار ومقاومة الشدائد، على قاعدة الإيمان العميق بأنّ الأحلام هي المجال الحيوي الذي يحفّزنا للبحث الدائم عن الأجوبة المناسبة لأسئلة التحدّيات والتحوّلات العميقة التي تحيط بِنَا من كلّ حدب وصوب .
إنّ الأحلام فكرة رومانسية لا تعيش إلّا خارج الأسوار، ولا تتنفّس إلّا في حديقة الشغف. هي اليراع الذي يخطّ على أوراق المستقبل أبجديّة التغيير، فيدبّج للاغتناء والترقّي صيغ الحفاظ على كرامة الإنسان، بمداد عالم سبق أن استوطنه القنوط، ثمّ استفاق فجأة ليكتشف أن الأمل ليس ترف المحاولة بل هو غذاء الروح، وأن الأحلام قد تختبئ أحياناً خلف جدران السقوط، لكنّها لا تشيخ ولا تموت، وأنّ الاستيقاظ على أشلاء أرواحنا خارجة من كوابيس الخيبات ليس عادةً أو قدراً . إنّ حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وبالتأكيد إنّ أحلام اليوم ستكون حقائق الغد الذي لا تتّسع لطموحاته أحلام الليالي ولا أحلام اليقظة !

المدير العام السابق لوزارة الثقافة
د. فيصل طالب

Back to Top